سبب تكرار الكلام عند الأطفال (الإيكولاليا) وعلاجها

تكرار الكلام عند الأطفال من الحالات التي تثير استغراب الأهل، وهي في الواقع قد تكون مسألة طبيعية ومتكررة ضمن حدود معينة ومرحلة عمرية معينة، وقد تشير أحياناً لحالات صحية واضطرابات في النطق والكلام أو حتى مشاكل أخرى، في هذا المقال نتعرف على تكرار الكلام عند الأطفال بين الأسباب والدلالات.
الصدى الكلامي أو تكرار الكلام عند الطفل (الإيكولاليا Echolalia) هو اضطراب لغوي يتمثل بتكرار لا إرادي كلمات أو عبارات سمعها الطفل مسبقاً، إما مباشرة بعد سماعها (الصدى الفوري) أو بعد فترة من الزمن (الصدى المتأخر)، ويعتبر تكرار الكلام جزءً طبيعياً من تطور اللغة عند الأطفال الصغار، لكنه قد يستمر بشكل غير طبيعي لدى الأطفال الذين يعانون من اضطرابات نمائية مثل اضطراب طيف التوحد أو اضطرابات اللغة والتواصل.
قد يكون الصدى الكلامي علامة على تأخر في تطوّر اللغة عند الطفل، ويحتاج إلى تقييم من قبل أخصائي النطق والتخاطب لتحديد ما إذا كان تكرار الكلام جزء من عملية التعلم الطبيعي أو مؤشراً لحالة تستدعي التدخل العلاجي.
يتم تصنيف الصدى الكلامي أو المصاداة إلى نوعين رئيسيين:
- صدى كلامي تلقائي (Functional Echolalia) يُستخدم بشكل هادف في التواصل.
- صدى كلامي غير تلقائي (Non-functional Echolalia) يظهر دون ارتباط بالسياق، وغالباً يكون متكرراً وقهرياً.

نعم بالأحوال الطبيعية يعتبر تكرار الكلام (الصدى الكلامي) ظاهرة طبيعية عند الأطفال في مرحلة تعلّم اللغة، خاصة بين عمر سنة إلى 3 سنوات، فهو جزء من تطور مهاراتهم اللغوية، حيث يعتمد الأطفال في هذه المرحلة على تقليد الكلمات والعبارات التي يسمعونها من الوالدين أو البيئة المحيطة بهم، وقد يختلف ميل الطفل لتكرار الكلام بين طفل وآخر دون أن يكون ذلك مؤشراً على مشكلة لدى الطفل.
يستخدم الطفل تكرار الكلام لتعلم المفردات وبناء الجمل، ويكون الصدى الكلامي طبيعياً إذا بدأ يقل تدريجياً بعد سن 3 حتى 4 سنوات، مع تحسّن القدرة على استخدام اللغة بشكل مستقل.
أما إذا استمر تكرار الكلام بعد سن 4 حتى 5 سنوات بدون تطور واضح في اللغة، وكان الطفل يكرر الكلمات دون فهم لمعناها أو يستخدمها في سياقات غير مناسبة، أو كان مرتبطاً باضطرابات أخرى مثل التوحد أو التأخر اللغوي، فهذه تعتبر من الحالات المرضية لتكرار الكلام الإيكولاليا.
الخلاصة: إن تكرار الكلام عند الأطفال طبيعي في المراحل المبكرة حتى عمر 4 سنوات تقريباً خصوصاً إذا كان هناك تطور في حصيلة الطفل اللغوية يتزامن مع انحسار تكرار الكلام، لكن استمرار المصاداة الكلامية "الإيكولاليا" لعمر أكبر من 4 سنوات مع ظهور علامات تأخر لغوي أو اضطرابات طفولة أخرى فهذا يدل على مشكلة تتطلب تشخيصاً متخصصاً وبرنامجاً علاجياً.
- تعلم النطق وتطوير مهارات اللغة: عندما يكون الصدى الكلامي عند الطفل بحدود طبيعية وبعمر الطفل أقل من ثلاث سنوات، ولا يوجد أي أعراض مصاحبة له، فهو يدل على أن الطفل يسير بشكل طبيعي في تعلم آليات النطق واللغة.
- اضطراب طيف التوحد: الصدى الكلامي يعد أحد السمات اللغوية الشائعة عند الأطفال المصابين بالتوحد، لذلك إذا ظهر مع أعراض أخرى لاضطراب التوحد فيمكن أن يزيد الشك بهذا الموضوع، حيث يكون التكرار نمطياً، وقد يستخدمه الطفل كوسيلة تنظيمية أو تهدئة ذاتية، وقد يكون مصحوباً بتأخر في المهارات الاجتماعية والتواصلية الأخرى.
- اضطرابات اللغة والتواصل: يظهر الصدى الكلامي عندما يعاني الطفل من تأخر لغوي ويستخدم التكرار كطريقة لتعويض ضعف المفردات أو ضعف القدرة على تكوين جمل مستقلة، وهنا يدل على مشاكل في اللغة والنطق عند الطفل، وقد يكون مؤشراً على اضطرابات مثل اضطراب المعالجة السمعية أو عسر الكلام.
- اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD): قد يستخدم الأطفال المصابون باضطراب فرط الحركة التكرار كرد فعل على فرط النشاط أو قلة الانتباه، لكن يكون ذلك أقل شيوعاً من الاضطرابات الأخرى.
- الاضطرابات العصبية والتطورية الأخرى: في بعض الأحيان قد يدل تكرار الكلام أو الصدى الكلامي عند الطفل لوجود اضطرابات عصبية أو تطورية، حيث قد يظهر الصدى الكلامي في حالات أخرى مثل التأخر العقلي أو إصابات الدماغ التي تؤثر على مراكز اللغة.

علاج الصدى الكلامي "الإيكولاليا" يعتمد على السبب الأساسي للحالة، حيث أنه قد يكون جزء من اضطراب نمائي مثل التوحد أو التأخر اللغوي، ويمكن أن يحتاج الطفل عدة خطوات علاجية لمشكلة الصدى الكلامي حسب حالته الخاصة، وأهم خطوات التخلص من تكرار الكلام وعلاج المصاداة:
- التقييم الطبي الشامل: يتم أولاً فحص الطفل من قبل طبيب أطفال متخصص في النمو والتطور أو طبيب أعصاب لتحديد ما إذا كان هناك سبب طبي أو عصبي للصدى الكلامي، قد تشمل التقييمات اختبارات السمع، التقييم العصبي، والتقييمات النفسية والسلوكية.
- أدوية مساعدة لعلاج الإيكولاليا: لا يوجد دواء محدد لعلاج الصدى الكلامي نفسه، ولكن بعض الأدوية قد تساعد في إدارة الحالات الأساسية التي تسبب هذه الظاهرة، مثل أدوية اضطراب طيف التوحد (ASD) إذا كان الطفل يعاني من التوحد، يمكن استخدام بعض الأدوية لتحسين التركيز وتقليل السلوكيات النمطية، مثل الريسبيريدون (Risperidone) والأريبيبرازول (Aripiprazole)، وأدوية اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) مثل الميثيلفينيديت (Methylphenidate)، التي قد تساعد في تحسين الانتباه وتقليل السلوكيات المتكررة، أدوية القلق واضطرابات التواصل ففي بعض الحالات يتم استخدام مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية (SSRIs) إذا كان الصدى مرتبطاً بالقلق أو اضطرابات المزاج، يتم استخدام هذه الأدوية بحذر وتحت إشراف طبيب مختص فقط، حيث يجب تقييم الفوائد مقابل الآثار الجانبية المحتملة.
- التخاطب والعلاج السلوكي والتخاطبي: أهم علاج للصدى الكلامي هو العلاج التخاطبي والسلوكي، والذي يشمل، العلاج بالتواصل الوظيفي (Functional Communication Training - FCT) لتعليم الطفل استخدام اللغة بشكل هادف بدلاً من التكرار العشوائي، ويشمل تقنيات تعديل السلوك (Behavioral Therapy) مثل تحليل السلوك التطبيقي (ABA) لتقليل السلوكيات النمطية، والعلاج بالمحفزات البصرية والسمعية مثل استخدام الصور والنماذج السمعية لمساعدة الطفل على فهم كيفية استخدام اللغة بطريقة صحيحة.
- المعاملة الخاصة لحالة الطفل: يحتاج الطفل في حالة الصدى الكلامي إلى تدخلات مساعدة مثل دعم تعليمي مخصص يمكن توفير برامج خاصة للأطفال الذين يعانون من اضطرابات لغوية أو نمائية، والعلاج الوظيفي والعلاج الحسي إذا كان الطفل يعاني من مشاكل حسية تؤثر على تواصله، ودعم الأسرة والتوجيه الأبوي لمساعدة الأهل في التعامل مع الصدى الكلامي بطرق فعالة.
- تأكد من أن الطفل يفهم معنى الكلمات التي يسمعها قبل أن يستخدمها، استخدم الصور والأمثلة لشرح المفاهيم.
- بدلاً من الأسئلة التي تؤدي إلى تكرار، استخدم أسئلة تتطلب إجابة مستقلة، مثل: (ماذا تريد أن تأكل؟ بدلًا من هل تريد تفاحة؟).
- استخدام الجمل النموذجية وعلّم الطفل كيفية الاستجابة بشكل صحيح من خلال تقديم نموذج للإجابة.
- تقليل الأسئلة المباشرة، إذا كان الطفل يميل إلى تكرار الأسئلة، جرّب تحويل المحادثة إلى تعليقات بدلاً من استفسارات.
- تقديم بدائل لغوية، إذا كرر الطفل جملة معينة، قدم له طريقة أخرى للتعبير عن نفس المعنى، فهذا يساعده على تنويع لغته.
- ركّز على تطوير لغة الطفل لاستخدامها في مواقف حقيقية، مثل طلب الأشياء أو التعبير عن احتياجاته.
- استخدم استراتيجيات التحفيز اللغوي مثل قراءة القصص، تمثيل الأدوار، والغناء لتنمية المفردات والتفاعل اللفظي الطبيعي.
- تقليل التوتر والقلق، بعض الأطفال يستخدمون الصدى الكلامي كآلية للتهدئة، لذا فتوفير بيئة آمنة يساعدهم على تطوير مهارات لغوية أكثر طبيعية.
- استخدم التعزيز الإيجابي، كافئ الطفل عندما يستخدم اللغة بشكل صحيح دون تكرار، فهذا يعزز السلوك اللغوي المناسب.
- الاستعانة بأخصائي تخاطب، إذا استمر الصدى الكلامي بعد سن 4 - 5 سنوات، أو كان مصحوباً بصعوبات أخرى، يفضل اللجوء لمختص لوضع خطة علاجية مخصصة.